الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
20
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وإن تعدد الموضوع له مع أن الظاهر إدراج ذلك في المشترك إذ لا فرق في الحقيقة بين إبراز الوضع بصيغة مخصوصة به أو بنحو يتعلق بكل واحد من المعاني المختلفة ويجري الإشكال المذكور في المشتقات التي تكون مباديها مشتركة فإنه يسري الاشتراك إليها مع عدم تعدد الوضع فيها إذ هي موضوعة بوضع واحد نوعي إلا أن يقال إن لها وضعين أحدهما شخصي وهو وضعها بحسب المادة والآخر نوعي وهو وضعها الهيئي وهو كلام ظاهري مخالف للتحقيق وإن أوهمه بعض العبارات إذ من البين أن وضع المادة مخصوص بتلك المادة المأخوذة على الهيئة المخصوصة الملحوظة في مباديها ولا يعم تلك المادة على أية هيئة كانت ليعم المشتقات فالوضع الحاصل في المادة المأخوذة في المشتقات إنما يأتي من الوضع النوعي المتعلق بها غاية الأمر أن يكون الوضع النوعي هناك مختصا بما إذا كان المبدأ موضوعا فتكون موضوعية المبدإ في نفسه قيدا ملحوظا في وضع المشتق ولا يقضي ذلك بكون المادة في ضمنها موضوعة بذلك الوضع فلفظة ضارب موضوعة بالوضع النوعي لمن قام به الضرب ويكون انفهام مجموع ذلك المعنى بذلك الوضع لا غير وإن توقف معرفة مفاد المادة على العلم بوضع الضرب نظرا إلى ترتب الوضع المذكور عليه وتسرية المعنى بهذا الوضع إليه من الموضع بالوضع الأول وقد يقال بتنزيل الوضع المذكور منزلة وضعين أحدهما بالنسبة إلى الهيئة والآخر بالنظر إلى المادة حيث إن الملحوظ عند الواضع كون الهيئة مفيدا لشيء والمادة لآخر فمعناه الهيئي إنما يحصل بنفس هذا الوضع استقلالا ومعناه المادي وإنما يسري إليه من اللفظ الموضوع بوضع أخر فاللفظ الموضوع ملحوظ على سبيل العموم بالنسبة إلى الأمرين إلا أن الوضع نوعي بالنسبة إلى الهيئي شخصي بالنظر إلى المادة والاشتراك المفروض إنما لوحظ بالنسبة إلى الأخير وكان بهذا الوجه يمكن تنزيل بعض العبائر الدالة على تعدد الوضع في المشتقات فإن قلت كيف يصح القول بكون الوضع بالنظر إلى المادة خاصا مع أن معناه المادي ملحوظ على جهة العموم أيضا إذ ليس شيء من معاني المبادي ملحوظا هناك بالخصوص قلت الحال كما ذكرت إلا أن هناك فرقا بين اللحاظين فإنه قد يكون الملحوظ في الوضع هو الهيئة العامة ويكون كل من الخصوصيات مما وضع اللفظ بإزائه من جهة كونه من أفراد المعنى الملحوظ من حيث صدق المفهوم المفروض عليه كما هو الحال في أسماء الإشارة ونحوها على القول المذكور [ بوضعها للخصوصيات ] وقد يكون الموضوع له هو خصوص كل من المعاني الخاصة ويكون المعنى العام ملحوظا لمجرد كونها آلة لملاحظتها ووجها من الوجوه الباعثة لإحضارها في الذهن من غير أن يكون لخصوصية ذلك المفهوم العام مدخلية في المعنى الموضوع له كما في الصورة المفروضة فإن كلا من خصوصيات المواد الحاصلة في ضمنها إنما وضعت لخصوصيات معانيها الخاصة وإن كان إحضار كل منها في الذهن حال الوضع على وجه عام وكذلك الحال في الصور المتقدمة فإن الوضع هناك وإن تعلق بأمر يعم الكل إلا أن كلا من تلك الخصوصيات مما وضع اللفظ بإزائها لخصوصها فهو إذن كالوضع المستقل المنفرد من غير فرق أصلا وحينئذ فيمكن إدراج ذلك في العبارة من حيث أن تحقق الوضع لكل منهما غير منظور فيه الوضع للآخر وإن حصل الوضع للكل بجعل واحد هذا غاية الكلام في توجيه هذا المقام ثم إن ظاهر العبارة يعم ما لو بقي الوضعان على حالهما أو هجر أحد المعنيين أو كلاهما نظرا إلى حصول الوضع بالنسبة إليها وكذا لو وضع اللفظ لأحدهما في اللغة ثم وضع للآخر في العرف ابتداء من دون ملاحظة وضع الأول مع بقاء ذلك المعنى أو هجره وإدراج ذلك كله في المشترك محل خفاء والظاهر إدراج الأخير في المرتجل هذا ويعم الاشتراك ما لو كان الوضعان شخصيين أو نوعيين أو مختلفين ولو اتحد اللفظان من جهة إعلالهما أو إعلال أحدهما فلا يبعد إدراجهما في المشترك كان الفعلية والحرفية إذ الأظهر تعلق الوضع بما بعد الإعلال إلا أن يكون الإعلال عارضيا فالظاهر عدم إدراجه فيه ولو كان أحد اللفظين موضوعا بوضعين والآخر بوضع واحد كان الحرفية والمركبة من فعل الأمر ونون التأكيد ففي إدراجها في المشترك وجهان وظاهر الحد الخروج وإن لحقهما أحكام الاشتراك ويجري ذلك في المركبات الموضوعة للأعلام كعبد الله علما أو مركبا إضافيا وتأبط شرا ثم إن ظاهر العبارة الحد المذكور يعم ما لو كان الوضعان في لغة واحدة أو لغتين في عرف واحد أو عرفين إلا أنه لا يلحقه بأحكام الاشتراك غالبا مع الاختلاف لحمله مع الإطلاق على اصطلاح القائل ويجري التعميم المذكور في المترادفين أيضا قوله وإن اختص الوضع بأحدهما لا يخفى أنه لا يعتبر في المجاز ولا في المنقول والمرتجل اختصاص الوضع بأحد المعاني بل يعم صورة المتعدد أيضا كما لو كان للفظ معنيان أو معاني ثم استعمل في غيرها مجازا أو نقل عليه فلا وجه لاعتباره اختصاص الوضع بواحد منه ثم إنه إن أراد اختصاص مطلق الوضع به لزم أن يكون المنقول خاليا عن الوضع بالنسبة إلى معناه المنقول إليه بل يلزم أن يكون المرتجل مستعملا من دون الوضع والمناسبة وهو من الغلط قطعا لانحصار الاستعمال الصحيح في الحقيقة والمجاز وإن أراد به الوضع الواحد بالمعنى الذي فسره به ليكون اللام للعهد لزم أن يكون اللفظ الموضوع لأحد المعنيين بمناسبة الآخر إذا لم يغلب استعماله فيه مندرجا في المجاز نعم لو حمل الوضع الواحد على الوجه الأخير من الوجهين الأخيرين الوجهين المذكورين فيما حكى عنه من التفسير اندفع ذلك إلا أنه لا يصح عد المرتجل من جملة ذلك لوضوح تعداد الوضع فيه بالمعنى المذكور كيف ولولا ذلك لزم أن يكون استعمالاته قبل الغلبة غلطا لوقوعها من دون الوضع والمناسبة قوله من غير أن يغلب فيه قيل المراد بالغلبة أن يهجر المعنى الأول فلا يراد إلا مع القرينة بخلاف المعنى الثالث قلت فيرد عليه أن يكون اللفظ الذي كثر استعماله في المعنى الثاني إلى أن وصل إلى حد الحقيقة مع عدم هجر الأول مندرجا في الحقيقة والمجاز وهو واضح الفساد وقد يفسر الغلبة بشيوع استعمالاته في المحاورات إلى أن يتبادر من اللفظ من دون ملاحظة شيء من القرائن الخاصة والعامة سواء ساوى الحقيقة الأولى أو غلب عليها وإنما أطلقها عليها اتكالا على وضوح الحال إذ لا مجال لتوهم الاكتفاء بمطلق الشيوع وغلبة الاستعمال وإلا لا تنقض حد المجاز والمنقول طردا أو عكسا بالمجاز المشهور فالمراد بها خصوص الغلبة البالغة إلى الحد المذكور سواء حصل معها هجر الأول أو لا وحينئذ فيندفع اندراج الفرض المذكور في المجاز لكن يلزم اندراجه في المنقول ولا يقولون به سببه لما عرفت من اعتبارهم فيه حصول الهجر وقد ظهر بما ذكر ضعف ما قد يورد في المقام من لزوم اندراج المجاز المشهور في المنقول وخروجه عن المجاز نظرا إلى تحقق الغلبة فيه لمساواته